الخميس، 11 نوفمبر، 2010

التدبير الداخلى 3-التامل‏

By
Fr Aghnatious Ava Bishoy

التدبير الداخلى 3-التامل

التدريب يتلخص فى تركيز الذهن فى آية قصيرة . يظل الانسان يرددها باستمرار بدون انقطاع ساعات طويلة كل يوم ، حابساً العقل فى أضيق معنى للآية أو فى توسل واحد باسم الرب يسوع له كل المجد . لا يخرج عنه قط وكلما خرج الذهن عن حدوده يرده الانسان بدون ملل حتى يتعود الذهن الكف عن التشتت وبهذا يستكين . والذى يعنينا فى هذا التدريب الروحى هو نجاحه السريع المذهل فى تهدئة النفس والمشاعر والأفكار ، وربطه للعقل ، وحبسه فى أضيق حدود الصلاة

بعض الارشادات التى وضعها الآباء فى هذا التدريب

(1) الجلوس فى مكان هادئ (2) عدم الحركة

(3) تثبيت النظر العقلى نحو القلب .

(4) يشترك العقل مع القلب فى ترديد الصلاة .

(5) يدخل العقل فى النهاية تحت سيطرة القلب ويتوقف حينئذ عن تسلطه.

يتأمل القديس اغسطينوس تأملاً رائعاً فى البحث عن الله ، يثبت فيه أنه لا يمكن أن يجد الانسان الله إلا فى أعماق نفسه :

أنت الدائم الى الأبد غير المتغير قط ... وهبتنى نعمة سكناك فى ذاكرتى يوم أن عرفتـك ... ولماذا ابحث الآن عنك كأنما تتعدد أمكنة سكناك لى ؟ . أنا متأكد أنك أعددت سكناك فىّ منذ ذكرتك يوم أن عرفتك .. حيث أجدك عندما أدعوك لتذكرنى ... ولكن أين وجدتك عندما تعرفت عليك ؟ .

-65-

كنت أعلى منى .. هناك فى نفسى عميقاً أعمق من عمقى وعالياً أعلى من علوى . قد تأخرت كثيراً فى حبك أيها الجمال الفائق فى القدم والدائم جديداً الى الأبد ..

آه تأخرت كثيراً فى حبك ..

كنت فىّ فكيف خرجت ابحث عنك خارجاً عنى ؟ .

أنت كنت معى ، ولكن لشقاوتى لم أكن أنا معك ! .

فدعوت وهتفت وأخيراً حطمت صممى ...أخبأت وأبرقت ومزقت ستار عماى .

أفحت عبيقاً فسرت يهدينى عطرك ، الهث خلفك .. ذقت فجعت وعطشت ... لمستنى فأشعلت النار فىّ

لابد أن يكون هناك دافع من الحب .

إن قوة الحب هى المحرك الذى يعزل النفس عن العالم ثم يهم بها صاعداً إلى العلو للتطلع شوقاً إلى الله

أقوال الآبـاء فى التـأمل

{1} حينما تقرأ كلمة الله فى خشوع فى الخفاء ، تتيقظ النفس لخطاياها ويجوز فيها سيف من الحزن ، ووخزات فى الضمير . فلا تستطيع إلا أن تبكى فتغسل أوزارها بدموعها ... وأيضاً حينما تؤخذ بنعمة التأمل وترى أشياء عليا ، فمن فرط اشتياقها تنساب فى بكاء حلو وتجد فى الدموع عزاءها اذ أنها لا تستطيع أن تدوم فى التأمل طويلاً .

غريغوريوس الكبير

{2} اذا وجدت النفس فى طقس طبعها الأول كانت فى العلاء ، أما اذا كانت خارجاً عن طبعها ففى أسفل الأرض تكون .

باسيليوس الكبير

{3} لا تسرع الى التأمل طالما هو ليس وقت التأمل . حتى يأتيك هو ويضبطك وأنت فى جمال التواضع ليتحد معك إلى الأبد بالروح للطهارة .

الأب يوحنا الدرجى

{4}القديسون فى العالم الآتى لا يصلون ، لأن العقل قد ابتلع منهم بالروح . وهم يسكنون فى الدهش فى ذلك المجد الالهى .

{5} التأمل الحقيقى هو إماتة القلب . فالقلب المائت بالتمام عن العالم هو بالكمال حى بالله .

ماراسحق السريانى

{6} لأنهم بتمجيد الله يتحركون بلا فتور ، وبتصور التاورية يرتفعون الى الثالث المسجود له ، ويثبتون فى الدهش بنظرة عظم ذلك المجد . وبهذا التدبير عتيد أن يكون جميع البشر فى القيامة العامة .

{7} كلما يدنو الانسان لمعرفة الحق ، ينقص نشاط حواسه ويميل الى الصمت . فى حين كلما يدنو من تدبير العالم تزداد يقظة حواسه ويكثر تقبلها فيه .

{8} إن عمل الفضيلة وتدبير سيرة العقل الخفية هى تحت سلطة الارادة وفيها تعب وجهاد ومحصورة داخل عمل الهذيذ ، وأما التأمل بالروح فهو ليس موضوع تحت حرية الانسان ولا يقتنى بالتعليم أو التدريب أو عمل الارادة ، وإنما يوهب لأنقياء القلوب

{9} صلاة اللسان مفتاح لصلاة القلب . وصلاة القلب يكون بعدها الدخول إلى الكنز . حيث لا يكون صلاة ولا دموع ولا تضرع لأن العقل وجميع الحواس تتخلف اذ تكون الروح قد دخلت الى التاوريا الروحانية .

ماراسحق السريانى

{10} قد وهب الله لبعض الناس حرارة روحانية ألهبت عقولهم ورفعتهم من الأمور الأرضية الفانية ليحدقوا فى نور الحكمة الأبدية .

{11} ماذا أحب فيك يارب حينما أحبك ؟ أنه نور وضياء . هذا هو ما أحب ! وهو نغم شجى ، وعبيق عطر، وعناق ملتهب ! هذا هو ما أحب حينما أقول أنى أحبك ياربى !! . أنه انسانى الداخلى الذى يسعد بذاك النور وذاك العبيق وذاك العناق ! .

- يشرق فى نفسى اشراقاً لا يحتويه فضاء مهما اتسع ...

- ويوقع فى داخلى نغماً لا يقوى أن يمحوه الزمن .

- ويفيح أريحاً عطراً لا تزحزحه الريح ...

- ويذيقنى حلاوة لا تؤول الى نقصان ...

- ويلتصق بى ملياً فى عناق لا يفرقه شبع ...

- هذا هو ما أحب ، حينما أقول أنى أحبك ياربى .

{12} ما هذا الذى يومض فى أحشائى ويقرع قلبى دون أن يؤلمنى؟ فارتجف هلعاً أحياناً والتهب حباً أحياناً أخرى . ارتجف بقدر ما أرى نفسى انى لست اشبهه ، واطمئن بالقدر الذى فيه أرى نفسى اشابهه ، انها الحكمة ! هى التى تومض فى أحشائى .

القديس اغسطينوس

{13} رأيت شيئاً لم احتمله طويلاً ! .

القديس اغسطينوس

{14} ان حلاوة التأمل تستحق منا كل الحب . فانها تحمل فوق ذاتها لتحلق بها نحو السمائيات فتتحقق أن الأشياء الأرضية تستحق الازدراء لتسمو نحو الروحيات وتغض الطرف عن الأشياء الجسدية الفانية .

غريغوريوس الكبير

{15} ان موضوع التأمل الناضج هو الحكمة الالهية حين تدرك بالفكر وتلمس لمساً رفيقاً ...فعندما يتقدم بنا التأمل لنترقى الى درجة التأمل فى حكمة الله – أو بالحرى ترتقى هى بنا الى ذاتها حينئذ يكون عظم اتساعها الذى لا يجد سبباً للاقتناع بامتناع كمال المعرفة على العقل البشرى ، انما فقط بالحب نتلامس مع هذه الحكمة تلامساً ولا نجوز خلالها بأى حال من الأحوال .

{16} بنعمة التأمل يتقبل العقل البشرى صوت الفطنة العليا .. وتستمع أذن القلب الداخلية الى كلمات الله .. وبهذه النعمة العليا تؤهل الى معرفة أشياء فائقة .

{17} يقال أن التأمل ما هو إلا شعاع صادر من نور المدينة السماوية . حيث يغلب على العقل أن يبقى معلقاً فى ذلك التأمل الالهى مبتهجاً بما يدركه من مناظر الأبدية المطلقة التى لم ترها عين ولم تسمع بها أذن .

{18} ان اللاهوت لا يعلن حقيقة ذاته كما هى للذين يمارسون التأمل فيه طالما فى هذه الدنيا ، انما يكشف عما يحيط به من اشراق بقدر بسيط حتى تحتمله عيون عقولنا التى اعمتها الظلمة فلم تعد تطيق التحديق فى نور اللاهوت .

غريغوريوس الكبير

{19} إن التأمل فى الكتب حرز عظيم يحفظ الانسان من الخطية ، ويستميله الى عمل البر .

الأب ابيفانيوس

{20} " مرثا مرثا أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة ولكن الحاجة الى واحد فاختارت مريم النصيب الصالح الذى لن ينزع منها " {لو10: 41 ، 42} . اذن فالوجود مع الله بالتأمل الروحى هو الأمر الواحد الذى تصغرأمامه كل الفضائل وكل الاستحقاقات التى ننالها بسبب أعمال البر المتعددة .. وهو كذلك ننالها بسبب أعمال البر المتعددة .. وهو كذلك اللؤلؤة الكثيرة الثمن التى يفوق بهاؤها كل الأحجار الكريمة مهما كانت غالية . هكذا تعتبر جميع الاستحقاقات التى ينالها الناس بسبب أعمال البر صالحة ، إلا أنها كمحصول جسدى – تعتبر أمور تافهة ونفاية كلام لا تستحق إلاأن تباع اذا قورنت باستحقاقات التأمل فى الإلهيات .

الأب يوحنا كاسيان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق