الثلاثاء، 31 أغسطس، 2010

حفـــل تعـــارُف جزء 2

أتعرفني من أنا؟

أنـــا آدم

همس الملاك المُرافق لي، قائلاً: "أتعرف هذا الإنسان؟".

أجبته: "شكله ليس غريباً عنّي، أشعر كأني أعرفه منذ كُنت في أرض غُربتي التي زالت".

قال لي: "هلُمّ نلتقي به، أظن أن خبرته ومعرفته وتفكيره تجعلك تستريح له".

التفت بالرجل، وكان دائم الابتسامة، ووجهه كان مُشرقاً، وملامحه مُبهجة.

قال لي: "أتعرفني من أنا؟".

صمت وأنا أُفكر من هو هذا الذي يتحدث عنه البلايين من البشر.

تطلّع إليّ، وقال: "لا تندهش أنا أخوك آدم، أول إنسان، خلقني إلهي بيديه".

تعجّبت من قوله: "أنا أخوك"، فإنني حفيد حفيد حفيد..... حفيده!".

قال لي: "الآن كلّنا إخوة، ليس بيننا شيخ ولا طفل، لا نعود نخضع لزمن ما، فقد زالت الشمس وكل الكواكب، وزال الزمن!".

سألته: هل يمكنك أن تُخبرني عن مشاعرك يوم أوجدك الله في جنه عدن؟

قال لي: إنها قصة عجيبة وطويلة، مُفرحة لي ولكل الذين تراهم الآن معنا.. السمائيين وكل المؤمنين.

يوم خُلقتُ فتحت عينيّ، فرأيت السمائيين يتطلّعون إليّ بدهشة عجيبة.

علمت فيما بعد أنه خلال السته أيام للخليقة، أو الست حلقات الزمنية، كان السمائيون مُندهشين، قائلين في أنفسهم: لمن خلق الله هذا العالم المُبدِع؟

في اليوم الأول خلق النور، وهُم لا يحتاجون إليه، لأن الله نفسه نورهم. ليس لهم أعيُن جسديّة يتطلّعون بها. ثم ماذا ينظرون وهُم في السماء وجه الله نفسه.

وفي اليوم الثاني خلق الله جَلّد السماء، أي السُحب، حيث فصل بين المياة التي في المحيط الذي يسود الأرض والمياة التي في السُحب. والسمائيون ليسوا في حاجة إلي هذه المياه ولا إلي تلك، فإنهم لا يعطشون، وليسوا في حاجة إلي مطر!

وفي اليوم الثالث فصل بين المياة واليابسة كما خلق النباتات والأشجار والزهور.

وفي اليوم الرابع خلق الشمس والقمر والكواكب، فصار يوجد زمن خلال حركات الكواكب.

وفي اليوم الخامس خلق الله الطيور والأسماك.

وفي اليوم السادس خلق الحيوانات.

كل الخليقة الجميلة بإبداعها الفائق تتحرّك، ولكن لِمَن؟؟

فالشمس تشرق وتغيب، وليس من ينظر إليها، والقمر يتلألأ بالليل، وليس من يتمتع بجماله. والزهور تفوح رائحتها، وليس مَن يشتاق أن يشتمّها، والفواكه تنضج وليس مَن يقطفها. والحيوانات تجري هنا وهناك وليس من يُداعبها وينتفع بها. والطيور تطير في الجو وتُغرِّد، وليس من يسمعها.

كل الخليقة تُسبِّح الله، لأنه أوجدها من العدم، ولكن لِمَن؟؟؟

جنّة عَدن

غَرسَ الرب الإله جنّه في عدن شرقاً (تك 8:2). وكأنها حديقة ملوكية ضخمة تسقيها أربعة أنهار.

غرسها مالئ السماء والأرض لأجلي!

صورة الله ومثاله!

فجأة تفرَّست كل الخليقة السماويّة والأرضية، إذ نزل الرب، وأمسك بقليل من التراب. تُري ماذا يفعل بهذا التراب الذي كانت الحيوانات والطيور تطأه بأرجلها؟!

نفخ الإله المتواضع في التراب، وإذا بي أوجد علي صورته ومثاله (تك 27:1).

لم يخلق السمائيين علي صورته ومثاله، ولا الشمس والقمر... صرتُ الخليقة الفريدة. أُشارك الخليقة الأرضية بجسمي الحيواني وأشارك السمائيين بنفسي غير الهيولية.

صرت سفيراً لله، أُمثّل السمائيين والأرضيين، صرتُ كائناً موضع إعجاب الكل!

إلهي كان يعمل، ويعمل ليسعدني. وملائكته تعمل بسرور، إذ تمم مشيئته. خلقني أنا أيضاً لأعمل في الجنّة وأحفظها دون أن أشعر بتعب ولا يفيض مني عرق بسبب اجهاد.

سألته: ما هو أول عمل قُمت به؟

قال لي: تطلّعت إلي فوق ونظرت حولي، فإذا بي أنشد تسبحة شكر لخالقي، لم يُعلِّمني إيّاها أحد. إنما نَبعت تلقائياً من أعماقي.

تكلّمت دون أن يُعلّمني أحد لغة ما.

ثم قمت بتنفيذ العمل الموكِّل إليّ، فقد سلّمني الله أعظم مهمة، وهي الالتزام والاهتمام بكل الخليقة كوكيل عنه.

يسندني بنفسه، وتنتظر الملائكة بفرحٍ أن أطلب منها أيه خدمة.

كنت في سعادة عجيبة. كنت أحسب نفسي أسعد كائن علي وجه الأرض!

كانت الطيور والحيوانات تلتف حولي وهي مُتهلّله، الكل يترقّب أن يخدمني. كنت أشعر كأن الطبيعة الجامدة تتوسل إليّ، وتسألني: أمَا من خدمةٍ أُقدّمها لك؟ فإن خالقي أوجدني لخدمتك.

في أعماقي كنت أشتهي أن أخدم الكل.

فوجئت بالمخلوقات تَعبر أمامي وهي مُتهللة، وكأنها تقدّمت لكي تهنئني علي خلقتي علي صورة الخالق ومثاله.

دعوت كل حيوان باسمه، وكل طير باسمه، حتي النباتات والطيور والشمس والقمر والجبال والتلال، أعطيتُ لكل الخليقة أسماءها. إنه يوم لن أنساه!

سألته: ألم تكن مُحتاجاً إلي شيء؟!!

حاجتي إلي شركة حُبّ!

أجابني: كل ما هو في داخلي وحولي مُفرِح للغاية. لا ينقصني شيء من كل أعماله المجيدة. لكنني مُحتاج إلي إنسان مثلي نتكلّم معاً، ونتعاون ونتحاور، ونحب بعضنا البعض.

تُرّى هل أطلب منه أن ينزل ويأخذ قبضة تراب أُخرى ليخلق إنساناً آخر يشاركني قصدي العظيم وجنَّته التي غرسها لي؟

سمح لي أن أنام مع أني لم أكن في حاجة إلي النوم والراحة.

استيقظت، فاكتشفت أنه أخذ إحدى ضلوعي، وأوجد منها امرأة جميلة تشبهني، تُعينني وتشاركني الحياة، نتعاون معاً ونناجي بعضنا بروح الحب. أحببتها ودعوتها امرأتي، كما دعوتها "حواء" لأنها ستكون أُمّاً لكل حي.

سألت آدم: ولماذا أعطاك الله وصية، وهو يعلم أنك ستتعرض لإغراء حواء وستعصى وصيتّه؟

أجابني: إلهي في محبتّه خلقني علي مثاله، هو الحُب عينه. فأنا مُحتاج ليس إلي أن أُحّب بل وأن أُحِب أيضاً. لقد غمرني بأعمال محبّته حتى قبل أن يخلقني، أمّا وقد خلق العالم لأجلي ووهبني صورته ومثاله، وأعطاني حريّة الإرادة كما وهبني سلطاناً، فلكي أتمتع بهذه الإرادة الحرّة والسُلطان، قدّم لي الوصية فنتبادل الحب. بدون الوصية أشعر كأني آلة جامدة أُتمّم إرادته بغير لذّة، مثلي مثل الطبيعة الجامدة التي تطيع القوانين التي وضعها الله لها لتُتمِّمها لا إراديّاً.

إني أشكره من أجل هذه الوصيّة. فإنني وإن كنت قد كسرتها بإرادتي، فقد جاء كلمة الله مُتجسدّاً، ووهبني بالاتحاد معه أن أسترد جمال طبيعتي، وأختبر ما وهبني من سُلطان.

الآن أنا مدين لمحبّة الآب ونعمة ابنه الوحيد وشركة روحه القدوس. ما أنا عليه الآن هو ثمرة عمل الثالوث القدوس في حياتي.

وإذ رأيت قلب آدم مفتوحاً لي وصدره مُتسعاً، سألته: هل تعتز باسمك؟

أجابني: لقد عشت علي الأرض 930 عاماً. منذ سقوطي في الخطية، كنت أخجل من اسمي، فبسببي دخلت الخطية إلي العالم ومعها ملك الموت (رو 14:5) لكن شُكراً لربي يسوع فقد دُعيّ آدم الأخير (1كو 45:15)، وبه دخل الخلاص من الخطية، وصار للمؤمنين به الحياة الأبدية. "لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيحيا الجميع (1كو 22:15).

في المسيح يسوع لم أعد أخجل من اسمي، بل أعتزّ به.

 

(تابعوا معي شخصيه جديدة من شخصيات الملكوت فى الجزء الثالث

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق